Size / / /

(Read this story in English translation.)

"جو – دو"، تقول اللافتة. نظرت باهتمام إلى داخل الصالة من قلب الباص الذي أستقلّه. ليس هناك ما ينبئ أنّ التدريب جيّدٌ حتى ولو كانت ملامح المدرّب آسيوية. أودّ، في الواقع، لو كانت لي ملامح تتيح لي وحدها أن أدرّب شيئاً ما. سيكون ذلك عملاً أسهل، أقوله بفخر عندما أتعرّف إلى أحدهم: مدرّبة رقص أو أي شيء.قبالتي في الباص جلست امرأتان بدتا من الخليج، تمنيّت أن تكون رائحة الهيل فائحة من ملابسهما. كنت أوّد أن أوحي لهما بأنّني أستطيع التحدّث إليهما بالعربية ولكن لم تعيراني اهتماماً. صحيح أنّني أرتبك عندما يسألني أحدٌ ماذا أعمل هنا، ولكن لو أُعطيتُ القليل من الوقت فقط فإنّني أستطيع أن أجعل الأمر يبدو مشوّقاً للغاية: أنثر الطحين على الطاولة، أسوّي العجينة قبل وضعها في الفرن.

عندما عدت إلى المنزل كان الوضع مملاً كالعادة، لولا وجود ذلك الشاب الذي يظهر من نافذة المبنى المقابل، واقفاً دائماً قبالة النافذة بأناقة، مرتدياً وشاحاً صوفياً مقلماً. مرّت الفتاة المقيمة معنا في المنزل من المطبخ حيث كنت جالسة. كنتُ أود أن أفتعل تصرفاً لطيفاً لأنّني أظن أنّني قللت من قيمة لوحاتها في الليلة الماضية. سألني حبيبها وصاحب المنزل إذا كنت أريد ملء المساحة الفارغة من جدار غرفتي برفوفٍ للأغراض أو بلوحات من رسمها، فأجبته على الفور، دون تفكير: "رفوف". في الواقع لم أكن متجنية، إذ كانت الرسوم بشعة، ولكنّ الفتاة سمعت ما قلته. كان ذلك موقفاً محرجاً من النوع الذي يصعب التحايل عليه، أو ربما يستطيع الأشخاص الاجتماعيون التحايل عليه بردّ سريع. بالنسبة إليّ لن أتوصل إلى الردّ اللائق المناسب إلا بعد مضي يوم كامل على الموقف والتفكير فيه مطوّلاً.

كانت هذه فرصة لأخوض حديثاً لبقاً، قلت لها: "هل غيّرت لون شعرك؟". مدت يدها إلى رأسها، وهزت رأسها بالنفي. تابعتُ رغم الإحراج: "يبدو لامعاً". لم تردّ، فعدتُ للفرجة على الشبّاك. شعرت بضرورة أن أكتب رسالة للشاب حتى لا أجنّ ويسيطر الموضوع عليّ إلى درجة متعبة. تناولت ورقة صفراء مخططة وقلماً، كتبت: "عزيزي الشاب الواقف على النافذة..". توقّفت قليلاً ثمّ أضفت: "وشاح جميل". اتخذت وضعية جلوس جدية وتابعت: "أظنّ أنّني أعرف لم لا تبارح غرفتك وتخرج للقاء الآخرين. عندما كنت صغيرة وكنت أقيم مع عائلتي في موسكو أثناء عمل والدي هناك، كان أهلي يرسلونني إلى جيراننا للعب مع ابنهم وهو صبي من عمري، كانت هي العائلة العربية الوحيدة في الحي. لكن في كلّ مرة كانت والدته تفتح لي الباب، كان يهرب للاختباء في خزانة الملابس. كنت حينها أعود إلى المنزل وألعب وحدي. عرفت بعد ذلك أنّه يعاني من اضطراب سلوكيّ، وأنّ محاولة أهله إجباره على اللعب معي كانت تزيده توتراً. لذلك لا تنزعج وتختبئ إذا دخلت منزلكم، فسأعتني بك جيداً".

دخلت إلى موقعٍ لقراءة الطالع عبر أوراق التاروت قبل أن أنام، ظهرت لي صورة الرجل المشنوق في رأس الأوراق. رنّ الهاتف، كانت أمي. أخبرتني أنّ الوقت لن يطول قبل أن تتمكّن من تدبّر أمر التأشيرة واللحاق بي إلى هنا. كنتُ أشعر بالخوف، لأنّ البيت خلا الآن وبقيت وحدي. قلت لها: "أظنّ أنني يجب أن أجد رياضة أمارسها". قالت إنّ ذلك حسن. قلت: "أفكّر أن أحترف الجودو". صمتُّ بعد ذلك منتظرة ما ستقوله، لأعرف ما إذا كان عليّ أن أتظاهر أنّني أمزح.

الخامسة صباحاً وقتٌ مزعج، لا وجود للضوء بعد. من الباص راقبت محل الجودو مجدداً عندما مررنا من أمامه، كان مغلقاً. رششت الطحين على الطاولة وأنا أحاول أن أجعل الأمر ممتعاً. "في مخبزنا، نمتلك ثقافة عمل حيوية للغاية، لذلك نطلب موظفين يمتلكون خبرة 5 سنوات وقادرين على..." هكذا قرأت في إعلان الوظيفة قبل أن أتقدّم. لم أفهم ما المقصود بثقافة عمل حيوية تماماً، احترت بم سأجيب في المقابلة الشفهية على سؤال: "لماذا تريدين هذا العمل؟" نظرت إلى صورة زاهية لإحدى مخبوزات المحّل الطازجة، موضوعةٍ على الجدار فوق رأس الرجل الذي يجري معي المقابلة، وتحدّثت عن روعة الانضمام إلى أسرة دافئة في مكانٍ سأتعلم منه الكثير، ولذلك أنا هنا الآن.

كان ذلك مرهقاً، إرسال السيرة الذاتية للعمل، وطلبات استئجار غرفة: "شابّة في الخامسة والعشرين، أبحث عن فرصة". كنت أحاول أن أؤجل الإجابة عن سؤال: "من أين أنتِ" إلى النهاية دائماً. شعرت أنّ صاحب العمل أو الشقة قد يظنّ أنّني كئيبة أو أنّ لي زوجاً قاسياً إذا أفصحت عن جنسيّتي. كذلك انزعجت لأن سيدة قالت لي في رسالة: "أنا متعاطفة مع وضع بلدك، ولكنني أريد أن أؤجر الغرفة لمن هو أكبر عمراً".

العمل ليس مسلياً دائماً، ولكنّه قد يتضمن حوادث مبهجة. منذ أيامٍ صادفت هنا صديقة قديمة من البلد، كنت أخاف عليها كثيراً فيما مضى إذ كانت في غاية الرقّة والشحوب. عندما صادفتها أمام المخبز كانت تحمل على يدها طفلتها حديثة الولادة. لم أبح بمخاوفي القديمة عليها لكنّني سعدت إذ كانت تبدو أكثر شراسة، والطفلة كذلك. ركزت نظري في عيني الأم تماما ولم أتأوه. عندما غادرتا لمست ذراعي حيث عضّتها الطفلة. تنهدت باطمئنان لأنّ خوفي عليهما قد زال. انتهزت فرصة خلو المخبز من الزبائن لأمسح مكان قضمة الطفلة بطرف المريلة، ومن ثمّ أخرجت دفتري من جيب المريلة لأكتب رسالة أخرى للشاب أسود الشعر بعد أن تذكّرت أمراً مهماً: "عندما أكون في العمل أتساءل إذا كنت تقضي الوقت واقفاً أمام النافذة أيضاً. أظن أنّ الوقت اقترب لآتي وأهتم بك. صحيح، لن يكون هناك ما تقلق بشأنه، لن تشعر بالغيرة من أيٍ من أصدقائي الذين رآوا الكثير في حياتهم، ربما على عكسك، وهو ما سيحرجك إذ ستظنّ أنّني سأقارن بينك وبينهم. لن تكون هذه مشكلة، إذ سأكفّ عن التحدث إلى أي منهم".

في طريق العودة إلى المنزل كنت أشعر بالقلق، شعرت بأنّ أحد ركّاب المترو يحدّق فيّ دون انقطاع. لم أنظر إليه لئلا تبدو بادرة لتشجيعه. بعد مغادرتي المحطة، وفي طريقي إلى المنزل، كنت أشعر بوضوح بأنّه يتعقّبني. لم أستدر لئلا أدفع باللحظة الحاسمة إلى ذروتها والشارع المعتم خالٍ من الناس. أكاد أسمع أنفاسه وحفيف المفاتيح في جيبه. لمَ لم أسجّل في صفّ الجودو ذاك؟ كان من الممكن أن أهشّم وجه هذا الجرذ على الجدار الآن. من منعطفٍ في الشارع خرجت فجأة مجموعة من الشبان والشابات يتحدثون بصوت مرتفع ويبدون مخمورين بعض الشيء. أسرعت لألتحق بهم، وتذرّعت بضياعي عن الطريق لأتمكن من المشي معهم قليلاً. سألوني عن مكان إقامتي ومن أين أتيت أصلاً. أجبتهم باقتضاب لأنّ غضبي كان يتصاعد أكثر فأكثر، إذ ما معنى أن أكون وحدي طيلة الوقت؟ استأذنتهم عندما وصلنا إلى البناء الذي أقيم فيه، إذ لم يكن الموضوع يحتمل المزيد من التأجيل. لا داعي لأن يحتمل كلّ منا وحشته وحده بعد اليوم، إمّا أن أحمله على مرافقتي في الأزقة أو يحملني على الجلوس في المنزل والتحديق للأبد في العالم من خلال النافذة. عددت الطوابق حتى وصلت إلى المنزل المفترض. طرقتُ الباب بلطف في البداية ثمّ بإصرارٍ أكثر. فتحت لي الباب سيدة مسنّة، شقراء قصيرة القامة ببيجاما بنية مخملية ونظارات طبية سميكة. سألتها عن الشاب الذي يعيش هنا، وقلت أنّني أريده لأمرٍ هام. ردّت عليّ بلغةٍ لم أفهمها، محركة يديها في الهواء. قلت لها إنّني أفهم حالته تماماً، ولا داعي للقلق. بدأت تصيح وتحاول منعي من الدخول فقلت لها إنّ هذه الحالة ليست سبباً لاحتجازه في غرفته، وإنّني من السلطات المخوّلة سحب الأبناء من أهلهم إذا ثبت سوء معاملتهم. دفعتها ودخلت متجهةً إلى الغرفة بثبات. قبل أن أدفع باب الغرفة بيدي شعرت بألمٍ صاعق في مؤخرة رأسي. تحسسته بيدي ثم نظرت إليها. استدرت بهدوء نحو العجوز المرتعدة - وأرجو أن تسامحني - لقد كنت غاضبة للغاية، ولم يكن من المفترض أن تحاول والدتك قتلي بمزهرية بائسة. لولا أن تدبرت الأمر لما كان بالإمكان أن أركض بعد ذلك نحو غرفتك، وأن أراها لأول مرة من الداخل. على مشجبٍ قبالة النافذة علّقوا وشاحك الصوفي الأنيق، ولم تكن أنت موجوداً. لكن، كما قلتُ لك، أنا أعرف ما ينبغي عليّ فعله. أعرف أنّك مختبئ في خزانة الملابس، وقد تكون مرتاعاً مما حصل قبل قليل. وأنا أجري نحوك كما لم يحدث من قبل.

Originally published in El Tahrir, June 2016.



Rasha Abbas is a Syrian short story writer, born in 1984 in Lattakia, Syria and currently based in Berlin. She has published two short story collections: Adam Hates Television (2008) and How German Grammar Was Invented (2016). Her third collection, The Gist of It, is to be published in December 2017.
%d bloggers like this: